على بالي

المثقّف في بلادنا لا يصل إلى السُّلطة. هو يصل إليها بالواسطة، عبْر دعْم من زعيم سياسي ــ طائفي أو سُلطة دينيّة أو من دولة خارجيّة. لبنان خيرُ مثال. فاتسلاف هافل وصل إلى السُّلطة عبر دَور سياسي أدّاه، وكان هذا الدَّور مدعوماً ومُنسَّقاً مع الحكومة الأميركيّة. في دوَل أخرى، يستطيع المثقّف الصعود عبر أحزاب فاعلة تتبادل الحُكم مع أحزاب أخرى.
في لبنان الوضع مختلف: كلّ المثقّفين الذين أصبحوا وزراء ونوّاباً أتَوا على متْن عربة زعيم طائفي أو رجل أعمال ثري أو سفارة خارجيّة. أوّل تجربة لتوزير مثقّفين كانت في عهد فؤاد شهاب الذي استعان بحَمَلة شهادات من الشيعة؛ لأنّه لم يكن راضياً عن التمثيل الشيعي (ولم يكن أصحابه من حَمَلة الشهادات).
أمّا وزارة التكنوقراط أو المتخصّصين فكانت حكومة الشباب لصائب سلام في عام 1970. لكنّ سلام لم يكن يمارس نخبويّة تعليميّة، إذ لم يصرّ (كما نوّاف سلام الآن) على حَمَلة شهادات من الجامعة الأميركيّة في بيروت، كأنّ الجامعة تضمَن الحكمة والمعرفة في خرّيجيها.
منير حمدان (الوزير السنّي المحسوب على كامل الأسعد يومها) كان خرّيج الجامعة العربيّة، وكان الوزير جميل كبّي (في الوزارة نفسها) خرّيج جامعة القاهرة والإسكندريّة. لكنّ تجربة الوزارة تلك فشلت لأنّ المتخصّصين المستقلّين فيها اضطرّوا إلى الاستقالة: هنري إدّه وإميل بيطار وغسّان تويني (حالة تويني اختلفت عن بيطار وإدّه). والحكومة ضمّت بإصرار من رئيس الجمهوريّة، سليمان فرنجيّة، ابنه طوني (والإصرار على توزير طوني كان من أسباب رفْض سلام التعاون مع فرنجية في عام 1973).
كلّ رجل أعمال لبناني ثري بات يقتني مثقّفين: إلياس المرّ وعصام فارس ورفيق الحريري. هل أعني أنّ على المثقّف معاداة النظام أيّاً كان هذا النظام؟ تماماً، لأنّ في الاستقلاليّة عن السُّلطة (بمعناها العام الذي لا ينحصر في الدولة) يجد المثقّف المجال الوحيد للتعبير الحرّ في المواقف. تفتح صفحة الرأي في «الشرق الأوسط»، فتجد مثقّفين من مختلف الدول العربيّة (خصوصاً، طبعاً لبنان البلد الذي يتخصّص في مُحاباة دوَل الخليج والسجود لشيوخها وأمرائها) وآراؤهم هي آراء الحاشية.
